المسيحيون في مصر: الخبرة وإشكاليات المواطنة

ســـامــح فــوزي

1-  إطلالة أولية

يعتبر مفهوم المواطنة Citizenship من المفاهيم ذائعة الصيت في الوقت الراهن. وتولي العديد من الدوائر البحثية أهمية إلي  دراسة هذا المفهوم- خاصة في المجتمع المصري- حيث يرتبط بمفاهيم أخري مثل المشاركة Participation  والحكم الديمقراطي Democratic Governance. وهناك تطلع من جانب مختلف القوي والتيارات السياسية والفكرية في الفترة الأخيرة إلي تعظيم مشاركة المواطنين في الشأن العام، وتعتبر دراسة وتعميق مفهوم المواطنة أحد المداخل الأساسية لتحقيق ذلك. وبالطبع يختلف تناول مفهوم المواطنة من مجتمع لأخر. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأدبيات الغربية عن المواطنة العالمية في عصر زالت فيه الحواجز بفعل تيار العولمة الجارف، لا تزال هناك ضرورة في مجتمعنا لاستكمال إرساء المواطنة وتحققها علي المستوي الوطني.

تعني المواطنة " المساواة بين الأفراد الذين يحملون جنسية الدولة في الحقوق والواجبات، بما يكفل مشاركة فعالة لهم في الحياة العامة، ويؤهلهم للحصول علي نصيب عادل من الموارد العامة في الدولة". من هذا المنطلق فإن هناك ثلاثة أبعاد أساسية لمفهوم المواطنة:

·   البعد القانوني: ويشمل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجنس.... الخ. ويعني ذلك إزالة كافة النصوص التمييزية من القوانين المعمول بها، وأن يكون لجوء المواطن إلي مؤسسات العدالة ميسورا غير مكلف بالنسبة له، وأن تتوافر معايير العدالة المتفق عليها دوليا في عمل  هذه المؤسسات. 

·   البعد السياسي: ويشمل حق كل المواطنين في المشاركة في تقرير شئون مجتمعهم سواء من خلال الانتخابات العامة، أو المحلية أو عضوية منظمات المجتمع المدني. ويتطلب ذلك أن يكون هناك سياق مجتمعي مشجع ومحفز علي المشاركة العامة، سواء من خلال مؤسسات التنشئة كالمدرسة أو منظمات المجتمع المدني وإزالة القيود القانونية والعملية المفروضة علي عمل هذه المنظمات.

·   البعد الاجتماعي:  ويشمل حق كل مواطن في الحصول علي فرص متساوية لتطوير جودة الحياة التي يعيشها. ويتطلب ذلك توافر الخدمات العامة للمواطنين وبخاصة الفقراء والمهمشين، وإيجاد شبكة أمان اجتماعي لحماية الفئات المستضعفة في المجتمع، وأن يظل لها صوت في التأثير علي السياسات العامة.

في الخبرة الأوربية تطور مفهوم المواطنة حسب تسلسل بدأ فيه بالقانوني ثم السياسي ثم الاجتماعي. أعني أن المواطن حصل أولا علي المساواة القانونية وضمانات المحاكمة العادلة أولا ثم أتجه للحصول علي الحق في المشاركة السياسية وأخيرا أخذ مفهوم المواطنة أبعادا اجتماعية في ظل سيادة مفهوم دولة الرفاهة Welfare state. أما في الخبرة المصرية فإنه من الصعب القول أن هناك مثل هذا الترتيب التصاعدي في نيل حقوق المواطنة. ولا يزال هناك سعي لتحقيق المواطنة علي الأصعدة الثلاثة معا حيث لم يكتمل تحقيق أي من أبعادها بصورة شاملة حتى يتسنى الانتقال للبعدين الآخرين.

2-  المواطنة في الخبرة المصرية: الخلفية التاريخية.

بدأت مصر معرفتها بالمفاهيم الحديثة في الحياة السياسية عندما بدأ اتصالها بالغرب من خلال الحملة الفرنسية علي مصر (1798-1801)، تلا ذلك حقبة حاول خلالها حاكم مصر محمد علي (1805-1849) إنشاء دولة حديثة وهو السعي الذي غلب علي معظم الفترات خلال القرن التاسع عشر علي يد بعض خلفائه.  وإجمالا هناك عدة تطورات أساسية فيما يتعلق بالمواطنة شهدها القرن التاسع عشر:-

·   تكوين جيش لمصر قوامه من المصريين في سابقة هي الأولي منذ انتهاء الدولة المصرية القديمة. وتولي المصريون أمر الدفاع عن أنفسهم بعد أن كانت الجيوش قوامها أما الغزاة الذين تعاقبوا علي حكم مصر أو المرتزقة. وكان الجيش في البداية من الفلاحين المسلمين أضيف إليهم المسيحيين عام 1855 بعد الإعلان رسميا عن إسقاط الجزية عن المسيحيين الذين اعتبروا منذ هذه اللحظة مواطنين لهم حقوق المواطنة كاملة. ويري الباحثون أن هذا التحول المهم أسهم في تدعيم ارتباط المصريين – كمواطنين- بالوطن وأرسي البذور الأولي لمفهوم المواطنة حتى قبل أن تتشكل معالمه.

·   سفر العديد من الطلاب المصريين في بعثات إلي دول أوربا – وبخاصة فرنسا- طلبا للعلم. هؤلاء المبعوثون عادوا يحملون أفكارا حديثة في التنظيم السياسي. ووضعوا مؤلفات تضمنت شرحا وافيا لمفهوم المواطنة. نذكر منهم علي سبيل المثال الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801-1873)  الذي سافر إماما لقيادة الطلاب في تأدية الشعائر الدينية الإسلامية عام 1826 ، لكنه لم يكتف بهذا الدور بل نهل من المعارف الحديثة وعاد برؤية تحديثية لوطنه.

·   إنشاء مؤسسات سياسية حديثة. نشأ أول برلمان في الخبرة المصرية باسم "مجلس شوري النواب" عام 1866. دخل هذا المجلس المصريون- مسلمين ومسيحيين- بالانتخاب. تبع ذلك إنشاء أول وزارة مسئولة سياسيا أمام البرلمان.

·   تأسيس العديد من مؤسسات المجتمع المدني الحديثة. وتتمثل في الجمعيات الأهلية، ثم الأحزاب السياسية التي عكست التيارات السياسية السائدة وقتئذ وإن ظلت قضية التخلص من الاستعمار البريطاني الذي بدأ عام 1882 قضية محورية في برامج الأحزاب والتجمعات السياسية، والصحف والمجلات التي كانت تصدر وقتئذ ولاسيما في نهاية القرن الذي شهد كذلك نشوء أول تنظيم نقابي عام 1899.

·   شهد النصف الأول من القرن العشرين محاولات دءوبة لتأسيس المواطنة علي المستوي الجماهيري. تحقق ذلك في أول ثورة شعبية عرفتها مصر عام 1919. كان لها أثر فعال علي المستويين المحلي والعالمي. تبع ذلك وضع أول دستور دائم عام 1923 الذي تضمن علي العديد من المبادئ التي تصب مباشرة في دعم مفهوم المواطنة. نص الدستور علي أن "الأمة مصدر السلطات"، وأن " المواطنين سواء أمام القانون بصرف النظر عن الاختلاف في الدين أو الجنس أو اللغة أو العرق.....الخ". أقر الدستور حقوق المواطنة كاملة للمصريين. وسارت الدساتير التي صدرت بعد ذلك انتهاء بالدستور الحالي الذي صدر عام 1971 علي هذا النحو.  شهدت هذه الفترة- التي يطلق عليها المؤرخون- العهد الليبرالي استعادة للتجربة الحزبية التي توقفت إبان الحرب العالمية الأولي رافقها حرية إعلامية وليبرالية فكرية.  وكانت هناك أربعة تيارات سياسية أساسية تشكل التفاعلات بينها الحياة السياسية هي: الليبرالي والاشتراكي والإسلامي والقومي. ولكن بالرغم من تنوع الحياة السياسية إلا أن الأحزاب التي تعاقبت علي الحكم فشلت في حل مشكلة الاستعمار والتفاوت الطبقي الحاد وانتشار الفساد مما عجل بسقوط النظام الملكي، وقيام ثورة 23 يوليو عام 1952.

·   اتجه النظام الثوري الجديد إلي حل أهم معضلتين في مصر هما الاستعمار وغياب العدالة الاجتماعية. استطاع التعامل مع المشكلة الأولي بجلاء القوات البريطانية عن مصر، وتصدي إلي إشكالية غياب العدالة الاجتماعية من خلال قوانين الإصلاح الزراعي والسياسات الاشتراكية وهو ما أدي إلي نشوء طبقة وسطي قوية. الأمر الذي جعل الباحثين ينظرون إلي العهد الأول للثورة إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر (1952-1970) علي إنه تحقيق للمواطنة في بعدها الاجتماعي. ولكن حدثت انتكاسة في تحقيق المواطنة علي الصعيد السياسي. فقد قام النظام بحل الأحزاب السياسية، وأسس بدلا منها التنظيم السياسي الواحد، وقام بحصار منظمات المجتمع المدني. أثر ذلك سلبا علي مستوي مشاركة المصريين في الحياة السياسية. هذا فضلا عن تعرض التيارين اليساري والإٍسلامي إلي تعنت من جانب النظام الثوري.

·   في منتصف السبعينيات حدث تحول شامل في التوجهات الرئيسية للسياسية المصرية في عهد الرئيس السادات (1970-1981) خارجيا جري الانفتاح علي الغرب وبخاصة الولايات المتحدة، وداخليا التحول نحو اقتصاد السوق، واستعادة التعددية الحزبية، وحرية إصدار الصحف. ولكن ظلت القوانين التي تحكم الحياة السياسية مقيدة للفعل السياسي الحر، وأدي صعود الأصولية الإسلامية إلي حالة إستنفار شامل في المجتمع، وما رافق ذلك من تصاعد العنف ضد المواطنين المسيحيين والمبدعين ورجال الشرطة وكبار المسئولين في الدولة والسياح الأجانب، وإنتاج خطاب ديني متشدد يكفر الأخر المختلف. وهو خطاب ظل بعيدا عن القطاع العريض من المجتمع المصري الذي يتمتع بخبرة تعايش وانسجام بين مختلف مكوناته. علي أية حال أدت هذه التطورات  إلي تجميد مشروع التحول الديمقراطي  الذي بدأ في منتصف السبعينيات، ولكن مع انحسار موجة العنف الأصولي منذ عام 1997 عاد المجتمع من جديد يتحدث عن خطاب المواطنة والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، وأصبح هناك ما يشبه التوافق بين مختلف مكونات المجتمع علي ضرورة التغيير السياسي في اتجاه مزيد من الديمقراطية ومشاركة المواطنين.

3-  الهموم القبطية: جدل الداخل والخارج.

في إطار تنامي الحديث عن الإصلاح السياسي أجريت بحثا حول كيف يري المثقفون الأقباط الإصلاح السياسي؟ وضعت استبيانا مكونا من سبعة عشر سؤالا طرحته علي اثني عشرة مثقفا قبطيا من مختلف التيارات السياسية والأجيال داخل مصر وسبعة نشطاء من الأقباط الذين يعيشون في أوربا وكندا والولايات المتحدة واستراليا. تناولت الأسئلة ثلاثة محاور: نظرتهم للذات وإدراكهم لمشكلاتهم ومضمون الإصلاح السياسي الذي يرجونه.

طُرح سؤال على المثقفين الذين أجريت حوارات معهم نصه "في مجال الحديث عن الإصلاح السياسي هل تقدم نفسك بوصفك قبطياً أم أنك تميل إلى تصنيف نفسك سياسياً؟"

الإجابة على هذا السؤال – كما يتضح من ظاهر النص – توضح نظرة الشخص لذاته Self Image، وطبيعة دوره المتصور في المجتمع السياسي. المثقفون الأقباط في مصر الذين أجريت معهم حوارات أكدوا على مصريتهم ورفضهم أن تكون قبطيتهم أو مسيحيتهم أساسا لتعريف أنفسهم ودورهم، في حين قدم نشطاء الأقباط في المهجر أنفسهم إما بصفتهم القبطية فقط أو بصفتهم القبطية وإلى جوارها انتماء سياسي أو توجه فكرى.

ويُلاحظ أن المثقفين الأقباط في مصر كانوا حريصين ليس فقط على تأكيد مصريتهم ووطنيتهم ولكن أيضا على نفى أية منطلقات أخرى في تعريف أنفسهم، وبدا الأمر كما لو أنهم في حالة دفاع عن انتمائهم المصري، وهو أمر متوقع في ضوء التحولات العاصفة التي ألمت بعلاقة الأقباط بالمسلمين من ناحية، وعلاقة الأقباط بالدولة من ناحية أخرى طيلة الثلاثين سنة الماضية أو ما يزيد على ذلك بقليل.

ومن الطبيعي أن من استبعد قبطيته في تعريف نفسه رفض قبول أن يتحرك الأقباط بوصفهم كتلة واحدة في المجال السياسي. وما يستتبعه ذلك من رفض تقديم رؤية للإصلاح السياسي خاصة بهم.  ولكن حدث هنا خلاف بين رؤية أقباط الداخل والخارج. ففي الوقت الذي رفض فيه المثقفون الأقباط في مصر طرح رؤية قبطية للإصلاح السياسي شدد أقرانهم في المهجر علي أهمية طرح هذه الرؤية الخاصة. هذه الحالة ترتبط- في تقديري- بما يمكن تسميته بشرعية الدور. فالنشطاء الأقباط في المهجر لم يعد لهم أي ارتباط بالتيارات السياسية الموجودة في مصر، وبالتالي فهم يعرفون أنفسهم بصفتهم أقباطا ويسعون  لطرح رؤية قبطية للإصلاح السياسي تبرر الدور الذي يقومون به. وإذا نظرنا إلي الرؤية التي يطرحها المثقفون الأقباط في المهجر للإصلاح السياسي نجد أنها تعبر عن شعارات سياسية تعرفها الساحة السياسية منذ أكثر من ثلاثين عاما مثل فصل الدين عن الدولة والعلمانية.....الخ. وإذا كانت هذه الرؤية نابعة من الجدل السياسي الداخلي فلماذا يصر أقباط المهجر علي طرح هذا التصور علي أنه تصور قبطي؟ إنه –مرة أخري- البحث عن شرعية الدور.

وقد أجمع المثقفون الأقباط في الداخل والخارج علي أن الأقباط يعانون من مشكلات بسبب قبطيتهم. واتفقوا علي مشكلتين أساسيتين الأولي هي عدم تولي الأقباط المواقع القيادية سواء في المؤسسات السياسية وجهاز الدولة البيروقراطي واستبعادهم من أجهزة توصف بأنها العمود الفقري للدولة مثل الأجهزة السيادية. والمشكلة الثانية هي العقبات القانونية والإدارية التي تعترض بناء وترميم الكنائس.

من الملاحظ أن المشكلة الأولي قائمة منذ أكثر من قرن كامل. والثانية تعود لأكثر من نصف قرن. فقد قدم وفد قبطي عام 1897 عريضة إلي اللورد كرومر ورئيس الوزراء المصري آنذاك يشكو فيها من عدم تعيين الأقباط في المناصب العليا وضعف تمثيلهم في المؤسسات السياسية. وهما نفس المطلبين اللذين تكررا في البيان الصادر عن المؤتمر القبطي الذي عقد عام 1911. ونظرا لان المشكلتين لم تحل وقتئذ رغم مظاهر الوحدة الوطنية العارمة التي شهدتها ثورة 1919. وفي عام 1934 أصدر العزبي باشا-وكيل وزارة الداخلية ما يعرف بالشروط العشرة لبناء الكنائس- وهي تمثل جملة من القيود والمعوقات التي تحول دون بناء الكنائس وتشكل مظهرا للتفرقة بين المصريين في بناء دور العبادة.  وهناك كتاب مهم صدر عام 1950 بعنوان "فرق تسد" من تأليف زغيب ميخائيل وقدم له المفكر سلامة موسي. يحوي الكتاب شهادة إدانة لما عرف في تاريخ مصر بالعهد الليبرالي. يرصد الكتاب مشكلات قبطية جديدة-إلي جانب هموم بداية القرن السابق الحديث عنها- مثل عدم تخصيص برامج في الإذاعة للأقباط والقيود التي تعترض بناء وترميم الكنائس وحرمان ما أسماهم الكاتب نوابغ الطلاب الأقباط من البعثات الدراسية في الخارج.

وعندما أطل المناخ الطائفي برأسه من جديد منذ السبعينيات وحتى الآن عادت الكتابات التي ترصد المشكلات القبطية. ومن يتأمل هذه الكتابات التي وضعها المسلمون والأقباط في هذا الصدد يجد أنها تعكس نفس الخطاب الذي عرفته مصر منذ أكثر من قرن من الزمان. والسبب وراء ذلك أن تناسخ المشكلات وعدم حلها يؤدي إلي تناسخ الخطاب الفكري المرافق لها.

واللافت للنظر أن المثقفين الأقباط في الداخل والخارج أجمعوا علي ضرورة أن يعبر عنها مثقفون مدنيون أقباط علي أرضية المساواة في المواطنة. هذا المطلب يريد العودة إلي دور السياسيين الأقباط الذين عرفتهم مصر قبل ثورة 1952 وكذلك التكنوقراط الأقباط الذين لعبوا دورا في إدارة الملف القبطي في الستينيات. ما يطالب به المثقفون الأقباط-اليوم- هو العودة إلي صيغة التعددية التي شهدتها مصر في الفترة من 1923-1952والتي لعب فيها السياسيون الأقباط  دورا وطنيا بارزا. وفي هذا السياق أداروا الملف القبطي بوصفه أحد هموم الجماعة الوطنية.

4- الأقباط بين الشأن الطائفي والإصلاح السياسي.

من الخطأ النظر إلي العلاقة بين المسلمين والأقباط بمعزل عن أحوال المجتمع. في وقت الأزمات والركود ينشط الحديث عن الشأن الطائفي، ويبحث كل طرف عن مطالبه في مواجهة الطرف الآخر. أما في وقت الاهتمام بالمشترك الوطني العام يخبو الحديث عن الشأن الطائفي، ويلتئم المسلمون والأقباط معا في حركة واحدة بحثا عما يشغل الوطن بأسره. وتصبح المشاركة  في الأعباء والثمار هي الاختبار الحقيقي، وإذا تحققت المشاركة تنتهي الفوارق، ويندمج الجميع. تحقق ذلك في ثورة 1919، وتجاوز المسلمون والأقباط عن الشقاق الوطني الذي شهده عام 1911، فيما عرف بالمؤتمرين القبطي والإسلامي. ويشهد المجتمع هذه الظاهرة من خلال سعي المسلمين والأقباط معا في إطار النضال من أجل الإصلاح السياسي والديمقراطية والحريات.

قبل عدة أشهر انشغل المجتمع بأسره بقضية سيدة تدعي "وفاء قسطنطين"، وتصور من يطالع الصحف، وكم المقالات التي نشرت حول هذه القضية أن الوطن مقدم علي شقاق لا مخرج منه. غاب الصوت الهادئ، وانبري كل طرف للدفاع عن حقوقه في الاحتفاظ بهذه السيدة. وقد انتهت هذه القضية علي النحو المعروف، وساد جو من عدم الغضب المكتوم لفترة، ثم ما لبث أن تلاشي كل ذلك عندما بدأ الجدل يشتعل حول الإصلاح السياسي، والتعديل الدستوري، والانتخابات الرئاسية، وظهرت حركات احتجاج في الشارع تنادي بالتغيير، ولمعت في صدارتها وجوه قبطية، ولم يجد أحد غضاضة في وجودها وزعامتها. وأكثر من هذا فإن المطالبين دوما بحل المشكلات القبطية سواء في الداخل أو المهجر انشغلوا طيلة الشهور الماضية بقضية الإصلاح السياسي، وتواري بعض الشيء حديثهم المنصب علي المطالب الطائفية المباشرة.

في كل ما سبق توارت الطائفية لحساب المشترك العام المتمثل في الديمقراطية والإصلاح السياسي. ولكن ستظل هناك مشكلة حقيقية تواجه القيادات المدنية القبطية في الفترة المقبلة تحتاج من جانبهم إلي موقف واضح وصريح. هل هم راغبون في المشاركة علي نطاق واسع في جهود إنجاز الديمقراطية والإصلاح السياسي- أو ما يمكن أن نطلق عليه الاستقلال الثاني، سواء بالرأي أو الانخراط في النشاط السياسي؟

خبرة الشهور الماضية تشير إلي أن عدد الأقباط المشاركين في مخاض الإصلاح لا يزال محدودا في العدد، يقتصر علي نفس الوجوه التي اعتادت الكتابة في الشأن العام، أو المشاركة في الفعاليات السياسية، سواء في صف الحكومة أو المعارضة. لم نر وجوها جديدة إلا فيما ندر.

القضية الأساسية التي يجب أن يناضل الأقباط من أجلها أسوة ببقية المصريين هي المواطنة الكاملة. وهذه لن تتحقق إلا في إطار مجتمع حديث يستند إلي حكم القانون والمواطنة والديمقراطية. من هنا فإن مشاركتهم في مخاض الإصلاح سوف تؤهلهم بالضرورة للتمتع بثماره. مشاركة حقيقية في الانتخابات التشريعية القادمة- ترشيحا وانتخابا، وفي الجدل الذي سوف يمتد حول التعديل الدستوري، وفي الهندسة السياسية التي سوف يسفر عنها مخاض الإصلاح السياسي الحالي.

في هذه الفترة الحرجة والملتبسة من تاريخ مصر يبدو موقف الأقباط من التحديث والإصلاح السياسي غير واضح، ومبهم لقطاع واسع من فصائل الحركة السياسية، وهو ما يسبب قلقا ليس فقط في أوساط المهتمين بالشأن القبطي- من الأقباط والمسلمين، ولكن أيضا لمن يتصدون للشأن السياسي العام. ولم يعد لائقا بالنسبة للأقباط والمسلمين علي السواء أن يكون الحضور القبطي في الشأن السياسي بالاستدعاء سواء كان بالتعيين في المؤسسات النيابية، أو في عضوية اللجان القومية في شتي مناحي العمل العام، أو في النشاط السياسي.

في فترات سابقة حين كانت الدولة-بمؤسساتها وكوادرها- تستأثر وحدها بالمجال العام، كان الاستعانة بالأقباط بالتعيين أمر يتوافق مع مقتضيات الأمور في مجتمع كان التعيين هو وسيلة التجنيد السياسي الغالبة فيه، أما في الفترة الراهنة، وما سوف يتمخض عنه المستقبل، فإن الكفاءة والمشاركة وامتلاك الرؤية، والخبرة السياسية قد تكون معايير حاسمة فيمن يشغلون المجال العام، أو علي الأقل سيدفع المجتمع في هذا الاتجاه. وبداهة لن تكون الدولة هي اللاعب الوحيد في الملعب السياسي، وسيكون إلي جوارها أطراف أخري في قلب العملية السياسية. ومن الضروري أن يكون الوجود القبطي منتشرا –أفقيا ورأسيا- في كل عناصر الجسد السياسي، وإذا غاب وجودهم سوف يطرح سؤال أساسي هو : أين الحضور القبطي علي الصعيد الوطني؟ في تلك اللحظة قد يكون متأخرا الإجابة عن هذا السؤال.

5-  نظرة علي الإعلام المسيحي المكتوب.

(5-1) هناك العديد من المجلات التي تصدر عن هيئات كنسية مثل "الكرازة" التي تصدر عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية،  و" مرقس" التي يصدرها دير القديس أبو مقار بوادي النطرون، و"مدارس الأحد" التي تصدر عن بيت مدارس الأحد ، و"رسالة الشباب الكنسي" و"رسالة الخدام" اللتان تصدران عن أسقفية الشباب بالكنسية الأرثوذكسية. وهناك مجلات عديدة تصدر عن هيئات كاثوليكية مثل "الصلاح" و "رسالة الكنيسة" اللتان تصدران عن بطريركية الأقباط الكاثوليك، ومجلة "صديق الكاهن" التي تصدر عن المعهد الاكليريكي للأقباط الكاثوليك و"حامل الرسالة" التي تصدر عن النيابة الرسولية . وهناك مجلات تصدر عن هيئات إنجيلية مثل "الهدي" لسان حال الكنيسة الإنجيلية و"أعمدة الزاويا" التي تصدر عن جمعية سيدات الكنيسة الإنجيلية، و"رسالة النور" و"أجنحة النسور" اللتان تصدران عن الهيئة القبطية الإنجيلية، و"المراعي الخضراء" التي تصدر عن كنيسة الأخوة في مصر، و"رسالة الخلاص" التي تصدر عن جمعية خلاص النفوس، و"بوق الإنجيل" التي تصدرها الكنيسة الرسولية.

وهناك جملة من السمات لهذه المجلات المتنوعة:

(5-2-أ) كثير من هذه المجلات تولي اهتماما بالجانب الوعظي المباشر، والموضوعات التي تتصل بشئون العقيدة، بالإضافة إلي تقديم خدمة إخبارية عن أنشطة الكنيسة وذلك بهدف سد النقص في الخدمة الإخبارية العامة للأنشطة المسيحية. ويلاحظ أن هناك ثقلا متزايدا للاكليروس في إنتاج الخطاب الديني في هذه المطبوعات. وكثير من هذه المجلات غير منتظم الصدور، وبعضها يحافظ علي شكل من الصدور الموسمي حرصا علي الإبقاء علي الترخيص الرسمي للإصدار.

(5-2-ب) بعض هذه المجلات حاول أن يتخطى الحواجز التقليدية بتقديم خطاب ديني يأخذ في الاعتبار المستجدات وقضايا العصر. وقد طرحت في هذه المجلات موضوعات جادة حول التنمية والمواطنة والعولمة. وفي هذا الصدد يشار علي سبيل المثال إلي تجربة "رسالة الشباب الكنسي" و" رسالة الكنيسة" و"أجنحة النسور" إلا أن محدودية الانتشار لم يجعل هناك صدي حقيقي للخطاب الديني الذي تقدمه هذه المجلات.

(5-2-ج) لم تقدم أي من هذه المجلات نقدا ذاتيا لبنية الكنيسة –الإدارية والتنظيمية. ولم تطرح مشروعا إصلاحيا أو رؤى للتغيير باستثناء مجلة "مدارس الأحد" التي حاولت أن تروج مثل هذا الخطاب في المحيط الأرثوذكسي خلال فترة قصيرة في السنوات الأولي من التسعينيا