الحوار الإسلامي المسيحي في الخبرة المصرية
ســامــح فــوزي
كاتب صحفي وباحث
1-
إطلالة أولية
يحفل المجتمع المصري
بعدة صور للحوار الإسلامي المسيحي. هناك أقدم وأثري أنماط الحوار بين
المؤمنين بالديانتين يجري يوميا بين ثنايا نسيج العلاقات الاجتماعية المتداخل
في المجتمع المصري، علي مستوي علاقات الصداقة والعمل والجيرة. باختصار هو
حوار الهم اليومي المشترك. وهناك حوار يجري علي مستوي دوائر البحث والفكر بين
مثقفين علي الجانبين الإسلامي المسيحي، يشمل قضايا تشكل مناطق التقاء، أو
يسعى المثقفون إلي إيجاد أرضية مشتركة بشأنها مثل المواطنة والعيش المشترك
والخطاب الديني...الخ. وهناك حوار عقيدي لا يشكل سمة أساسية للمجتمع المصري،
لكنه يطل برأسه في الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
عن هذه الأنماط
الثلاثة يدور الحديث في هذه الورقة. ولكن قبل أن ننخرط في الحديث عن الحوار
الإسلامي المسيحي يحسن أن نتوقف قليلا أمام بعض القضايا المفهومية في مسألة
الحوار.
2-
مفهوم الحوار.
الحوار قيمة في ذاته وآلية يلجأ إليها الإنسان بحثا عن فهم متبادل. وهناك عدة
معاني للحوار:
أ-
تبادل الأفكار من خلال نقاش.
ب-ما
يتحدث به الممثلون في الأعمال الدرامية.
ت-محادثة
بين أكثر من شخصين.
ث-نقاش
يرمي إلي بلوغ اتفاق.
ويختلف الحوار عن مفاهيم أخري تبدو مرتبطة به أو قريبة منه مثل السجال
والمفاوضات.
·
فمن ناحية أولي يعني السجال " إصرار علي الاختلاف المفضي إلي الشعور
بالتميز". ويقصد بذلك الحرص الدائم علي إبراز التمايزات، بهدف تكريس ذاتية
استعلائية أو تفضيلية في مواجهة الأخر المختلف. إذن أغراض السجال تختلف في
الجوهر عن أغراض الحوار. في السجال رغبة في تأكيد التميز والأفضلية علي الأخر
أما في الحوار فإن الرغبة تنصرف عادة إلي تبادل الأفكار والسعي المتبادل
للوصول إلي اتفاق. ومثال علي ذلك السجال الدائم بين أنصار القطيعة علي
الجانبين العربي والغربي. هناك علي الجانب العربي من يحرص علي رؤية الغرب علي
إنه الاستعماري.. المادي.. الإباحي.. المبشر، وهناك علي الجانب الأخر من يحرص
علي رؤية العرب علي إنهم الإرهابيون والمتخلفون والداعون إلي قهر المرأة
والشره الجنسي. وهناك السجال الديني العقيم الذي يسعى من خلاله أصحاب مذهب أو
ديانة إلي تأكيد سموهم وريادتهم علي أصحاب المذاهب أو الأديان الأخرى. ومن
الملاحظ أن السجال يبني دائما علي الأنماط الجاهزة عن الأخر في حين أن
الحوار-كما سيلي الحديث- يجب أن يبني علي التحرر من الصور النمطية المقولبة
عن الذات والأخر. وعادة ما تسود السجال لغة خلافية نزاعية أما اللغة التي
تسود الحوار فإنها تتسم بالرحابة والرغبة في بناء الجسور.
·
ومن ناحية ثانية يشمل الحوار بين طياته مفهوم التفاوض لكنه يتجاوزه إلي واقع
أكثر رحابة. التفاوض يعني نقاشا يهدف إلي التوصل إلي اتفاق. وضمن
المعاني المتعددة للحوار ما يشير إلي أهمية التوصل إلي اتفاق. ولكن ستظل خطوط
التماس بين المفهومين واضحة. التفاوض عادة ينصرف إلي أشياء مادية، تقبل
المساومة حولها، ويمكن التوصل إلي حل وسط بشأنها. أما الحوار –في الأغلب
الأعم- ينصرف إلي رؤى وأفكار، المساومة حولها غير واردة، والحلول الوسط غير
مقبولة خاصة في حالات الحديث عن الخصوصية الثقافية والقيم والرموز والموروث
والهوية......الخ. وفي خبرة الحوار بين جماعات مختلفة ثقافيا أو دينيا يكون
التوصل إلي مشتركات للعيش المشترك ليس علي حساب التضحية بالهوية أو إدراكات
التميز الثقافي الذاتي.
3-
حوار الهم المشترك.
ُتعد التعددية
الدينية حقيقة أساسية في المجتمع المصري منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. تعايش
خلالها المسيحيون والمسلمون في حالة من الوئام حينا والتوتر أحيانا، ولكن في
كل منعطفات التاريخ انتصرت إرادة الوحدة علي خيارات الانقسام والتشرذم. وفي
كثير من محطات التاريخ لم تكن هناك مشكلة حقيقية بين المصريين مسلمين
ومسيحيين، بل كانت بين المسيحيين والحكام الوافدين الذين تعاقبوا علي حكم
مصر. وكثير من مظاهر التعصب والقهر التي واجهها المسيحيون لم تأت علي يد
شركائهم في الوطن من المسلمين بقدر ما كانت صادرة في الأساس من النخبة
الحاكمة. واللافت للنظر أن الفترات المظلمة التي عاني منها المسيحيون شهدت
أيضا معاناة من جانب المسلمين، فما من مشكلة تواجهها أقلية إلا وتواجهها
الأكثرية العددية بصورة أو بأخرى.
(3-1) عوامل الوحدة.
هناك جملة من العوامل
تقف دائما خلف خيار الشعب المصري – مسلمين ومسيحيين- في اتجاه الوحدة علي
حساب التشرذم. يمكن رصد عدد من هذه العوامل:
v
الأوضاع الجغرافية التي تتمثل في وجود
وادي للنيل منبسط تتركز فيه الغالبية العظمي من السكان (95% تقريبا)، جعل
الامتزاج في الحياة اليومية سمة أساسية في المجتمع المصري، فلا يوجد أماكن
يتركز فيها المسلمون، وأخري للمسيحيين، والشواهد الدينية للجانبين تملأ كل
الأرجاء مما يجعل من خيار العزلة أو الانقسام غير وارد علي المستوي الفكري،
وغير ممكن علي المستوي الجغرافي.
v
الأوضاع الاجتماعية التي تتمثل في غياب
أشكال الانقسام الاجتماعي التي تتسبب عادة في شيوع ثقافة النفور التي تكون
عادة مقدمة لعملية إنتاج أنماط جاهزة جامدة عن الآخر مما يسبب الاشتعال إذا
ألقي أحد بعود ثقاب اقتصادي أو سياسي أو ثقافي. فلا يعيش المسيحيون في أماكن
خاصة بهم غير التي يعيش بها المسلمون، ولا يمتهنون مهنا غير التي يمتهنها
المسلمون، ولا يرتدون زيا خاصا بهم يجعل منهم جماعة اجتماعية متميزة عن
المجتمع، ولا يتعلمون في مدارس أو جامعات غير التي يتعلم بها المسلمون، ولا
يقضون وقت فراغهم بغير الطريقة التي يقضي بها المسلمون وقت الفراغ......الخ.
إجمالا فإن المسيحيين لا يتميزون كجماعة اجتماعية خاصة.
v
الأوضاع الثقافية التي تتمثل في وجود
ثقافة واحدة تجمع في رحابها المسلمين والمسيحيين. فمن الثابت أن المؤمنين
بالدينتين تجمعهم ثقافة واحدة علي مستوي الاعتقاد الديني، والنظرة الفلسفية
للحياة، والخرافة...الخ. فالمسلمون والمسيحيون يؤمنون بالإسلام والمسيحية علي
الطريقة المصرية إن صح التعبير. وتعود بعض مظاهر التدين الشعبي إلي معتقدات
فرعونية قديمة جري إما تنصيرها بالنسبة للمسيحيين أو أسلامتها بالنسبة
للمسلمين.
(3-2) بواعث التبعثر.
الم المشهد المصري
العديد من عوامل التبعثر في العقود الأخيرة مما يهدد بإضعاف صيغة العيش
الواحد، هذه العوامل يمكن إجمالها علي النحو التالي:
v
هبوب رياح ثقافية مغايرة من دول الخليج
منذ منتصف السبعينيات مع انتقال العمالة المصرية للعمل بهذه البلدان. هذه
المجتمعات لا تعرف التعددية الدينية علي النحو السائد في الخبرة المصرية. من
سمات الثقافة الجديدة: الإفراط في النزعة الاستهلاكية، وغلبة المظاهر الشكلية
للتدين علي حساب الجوهر، إضفاء بردة دينية علي المظاهر الاجتماعية...الخ.
وغني عن البيان أن هذا النمط من الثقافة أدي إلي تقليص مساحات التلاقي
الإٍسلامي المسيحي في المجتمع.
v
تنامي نشاط جماعات الإسلام السياسي منذ
نحو أكثر من أربعة عقود. هذه الجماعات نوعان. الأول جماعات راديكالية تتبني
خيار العنف لتغيير المجتمع، وتنطلق من رؤية تكفيرية للمجتمع، والحاكم، والآخر
الديني، واستحلال كامل لدم ومال المختلف. وقد تعرض المسيحيون والمسلمون علي
السواء إلي معاناة حقيقية علي يد هذه الجماعات حتى منتصف التسعينيات. وعندما
أصدرت بعض هذه الجماعات مراجعات فكرية لموقفها لم يزل الموقف الملتبس تجاه
المسيحيين في هذه الكتابات. النوع الثاني جماعات تعلن النهج السلمي في العمل
العام وتتبني خطابا في مواجهة الآخر الديني يقوم علي مفهوم الذمية. ومن جراء
نشاط جماعات الإسلام السياسي شاع خطاب يكفر المسيحيين في أسوأ حالاته أو يدعو
إلي تجنب التعامل معهم والاستعلاء عليهم في أفضل حالاته. وأدي وصول بعض
العناصر المحسوبة علي تيار الإسلام السياسي إلي العمل النقابي إلي أسلمة
النشاط المدني الذي يمكن أن يتلاقى علي أرضيته المسيحيون والمسلمون أبناء
المهنة الواحدة، ومن المعروف أن في الدولة الحديثة يكون التفاعل بين
المواطنين علي أساس مهني وسياسي وثقافي أكثر منه علي أساس ديني أو مذهبي أو
طائفي.
v
ومن جراء نشاط جماعات الإسلام السياسي
طفت علي السطح ظاهرة يمكن أن نطلق عليها أسلمة الحياة العامة، حيث أصبح
الحديث الغالب في كل القضايا ذات طبيعة دينية، حتي وإن كانت هذه القضايا في
الأساس علمية في جوهرها. فمثلا نقل الأعضاء البشرية أو بيع لاعبي كرة القدم
تحولت إلي قضايا دينية يجري الحديث بشأنها علي أرضية الحلال والحرام. وتحولت
النزاعات الدولية إلي صراع بين مسلمين وغير مسلمين، رغم أن بواعثها في الأساس
سياسية أو اقتصادية. ومثال علي ذلك الجدل الذي ثار علي صفحات الصحف إبان
احتلال القوات الانجلو-أمريكية للعراق. فقد اتجهت الصحف ذات الاتجاه القومي
والإسلامي إلي اعتبار ما حدث في العراق، وما يحدث في العالم منذ أحداث الحادي
عشر من سبتمبر هو انعكاس مباشر لهيمنة اليمين الديني في الولايات المتحدة،
وبدأت في تصوير الحرب الدائرة علي أنها مواجهة بين الغرب المسيحي والشرق
الإسلامي. وأصبح هناك قاسم مشترك فيما بينها هو تديين الصراع العالمي، والنظر
إلي الكثير من الصراعات الإقليمية بوصفها جزءا من مؤامرة عالمية تستهدف العرب
والمسلمين. وهكذا أصبح المتغير الديني هو الرئيسي في تحليل المتغيرات
العالمية فيما تنشره الصحف السيارة التي لا تتناول الموضوع بعمق بل تعمد إلي
الإثارة ودغدغة غرائز مجتمع سياسي غير ناضج. وتصدرت الصحف عناوين ومانشيتات
من قبيل:
" مؤامرة أمريكية لهدم الكعبة"، و"الحرب الصليبية باتت علي
الأبواب"، و "الحرب الصليبية والعجز العربي"، و"بوش الشرير يرفع شعار الصليب
قبل أن يشعل العالم"، و"الأزهر يدعو إلي الجهاد ضد الولايات المتحدة
الصليبية"، و"الله أكبر. أشقاؤنا يذبحون وحكامنا صامتون"، "بعثات تبشيرية
بدأت عملها في العراق المحتل"، و" حملات تبشيرية لتنصير الشعب العراقي"
"رامسفيلد يغير القرآن". هذه المعالجات الصحفية التي تربط بين ما هو سياسي
وما هو ديني في خليط تغلفه نظرية المؤامرة يلقي ظلالا كثيفة علي العلاقات
الإسلامية المسيحية في المجتمع، ويشكل في بعض الأحيان رسائل تحريضية ضد الأخر
الديني. وأكثر من ذلك أنه يربط ما يحدث علي صعيد العلاقات الإسلامية المسيحية
في المجتمع بصراع عالمي ممتد، وبالتالي ينظر المسلم العادي إلي جاره أو صديقه
المسيحي علي أنه أقرب في مشاعره ومواقفه إلي المسيحي الأمريكي منه إلي رفيقه
المسلم في المواطنة، وهو يقلص بالضرورة من مساحات اللقاء والتفاعل بين
المسلمين والمسيحيين علي صعيد العلاقات اليومية.
v
رافق صعود المد الإٍسلامي في الحياة عامة ما يمكن أن نطلق عليه حالة انكفاء
مسيحي داخل الكنائس. فقد شعر المسيحيون أن الوطن يضيق عن استيعابهم. لجأ
بعضهم إلي خيار الهجرة، والبعض الآخر استسلم للعزلة. دعم من هذا الاتجاه خطاب
ديني يصب في اتجاه العزلة انطلاقا من أن المسيحي ليس له مكان في العالم، وأن
غايته هي التطلع للملكوت. وشعر كثير من المسيحيين بما يمكن أن نطلق عليه
الشعور بالاستضعاف في مواجهة المجتمع. في السنوات الأخيرة بدأ هناك اهتمام
بدعم روح المشاركة الوطنية داخل الكنائس، وإن ظل هذا الخطاب محدود التأثير
حتى الآن.
4-
الحوار الإسلامي المسيحي بين المثقفين.
يجري الحوار الإسلامي
المسيحي علي الصعيد الثقافي بين نخبة من المثقفين علي الجانبين، وكثيرا ما
يغوص في قضايا من قبيل المواطنة، والعيش المشترك، والخطاب الديني،
والإرهاب...الخ. وعرفت الساحة المصرية نوعين من المنتديات التي ترعي مثل هذا
النوع من الحوار.
(4-1) حوار إطفاء
الحرائق.
هو نمط تقليدي من
الحوار ينشأ في مواجهة أزمة معينة ثم ما يلبث أن يتلاشى دون أن يحقق أي قدر
من الاستدامة. عادة ما يكون أطرافه هم نفس الشخوص، تحركهم ذات الدوافع،
وينتهي الأمر إما بإصدار بيان موقفي أو القيام ببعض الزيارات الاحتفالية
للأماكن التي شهدت الأحداث لإظهار التضامن مع أهلها. مثال علي ذلك اللقاءات
التي تجمع بعض الشخصيات الحزبية والناشطة في المجال العام كلما وقع حدث طائفي
أو ظهر في الأفق ما يهدد الوحدة الوطنية.
(4-2) حوار إبراء
الذمة.
يسعى عدد من المثقفين
علي الجانبين الإسلامي المسيحي للقاء فقط بهدف إبراء الذمة تجاه أحداث
بعينها. مثال الحوار الذي دار في مطلع التسعينيات بين شخصيات قبطية وأخري من
قيادات الأخوان المسلمين. لم يكن لها غرض سوي الحديث العام حول بعض القضايا،
والتأكيد علي موقف المشاركين في الحوار من قضية بعينها. والقضية التي كانت
باعثا للحوار المشار إليه هي الأحداث الطائفية التي طالت المسيحيين في
الصعيد، وبالتحديد في المنيا في هذه الفترة.
(4-3) حوار
الاستجداء.
يسعى خلاله عدد من
المسيحيين إلي طرق باب التيار الإسلامي بحثا عن ضمانات وحقوق في ظل المشروع
الإسلامي الذي يظنون أنه قادم لا محال. هؤلاء يتفاوضون علي مواطنتهم في مقابل
مكاسب يحصلون عليها في ظل مشروع آت من وجهة نظرهم، وفي المقابل يشعر
الإسلاميون بالإستقواء في مواجهة الاستجداء المسيحي.
(4-4) حوار المناسبة.
ينشأ هذا النمط من
الحوار بين أطراف عديدين في الغالب يمثلون المؤسسات الدينية الرسمية أو علي
الأقل يديرون في فلكها بهدف الحديث عن قضايا عامة تهم أصحاب الأديان. ويغلب
علي معالجة القضايا المطروحة علي أجندة الحوار السطحية، والخوف من الولوج إلي
العمق، والاكتفاء عادة بالمواقف التقليدية، ومحاولة ترديدها في مشهد أقرب إلي
المونولوج منه إلي الديالوج.
(4-5) الحوار البحثي.
شاع هذا الشكل من
الحوار في العقود الثلاثة الأخيرة. وهناك مؤسسات ترعي الحوار الإسلامي
المسيحي الذي يأخذ شكلا بحثيا. من هذه المؤسسات الفريق العربي للحوار
الإسلامي المسيحي، منتدى حوار الثقافات بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات
الاجتماعية، اللجنة المصرية للعدالة والسلام التابعة للكنيسة الكاثوليكية،
والمركز القبطي للدراسات الاجتماعية بأسقفية الخدمات بالكنيسة القبطية
الأرثوذكسية. وعادة ما يهتم الحوار بقضايا عامة مثل العيش المشترك، الخطاب
الديني،....الخ.
وهناك عدة سمات
أساسية لهذا الشكل من الحوار:
v
يتسم الحوار بين مثقفين مهمومين بقضايا
إيمانية ووطنية بأنه أكثر حرية من الحوار الذي يجري بين رجال دين ينتمون إلي
مؤسسات دينية حتى وإن جري التعاطي مع نفس القضايا.
v
تكوين شبكة من المثقفين القادرين علي
التعاطي مع قطاع واسع من المجتمع سواء علي صعيد الفكر أو الممارسة السياسية.
v
القدرة علي النظر إلي القضايا المطروحة
من اتجاهات متنوعة، قانونية وسياسية وثقافية وإنسانية، وهو ما يؤدي في
النهاية إلي إثراء الخبرة الحوارية.
ويواجه هذا النمط من
الحوار بانتقادات عديدة هي:
v
غياب الشباب عن الحوار، مما يحد من
انتقال الخبرة الحوارية إلي أجيال جديدة.
v
الدعوة للحوار غالبا ما تأتي من هيئات
مسيحية.
v
بحث قضايا تتسم بالعمومية، والاستمرار في
بحثها بصورة دائرية.
v
الحوار يؤدي إلي حركة. استمرار الحوار في
الغرف المغلقة لسنوات طويلة دون أن يرتبط بالحركة علي مستوي الشارع جعل
الخبرة الحوارية برمتها موضع تساؤل.
v
سعي أطراف إسلامية عديدة إلي الحوار مع
مثقفين غربيين أكثر من سعيها للحوار مع المسيحيين في المحيط العربي.
5- السجال الديني يطل
برأسه من جديد
من الظواهر التي باتت
ملفتة هي عودة ما يعرف بالسجال الديني من خلال جملة من الأحاديث المرسلة في
المفاضلة بين الأديان.
مثال علي ذلك ما أورده د.محمد عمارة في كتاباته في أحدي الصحف
القومية- التي تمول من دافعي الضرائب المسلمين والأقباط- بما يسيء إٍساءة
كاملة للمسيحية. ففي جريدة الأخبار يوم الجمعة 21 مايو2004 يقول:
" فمن المقبول أن نجد معظم المسيحيين الشرقيين وقد تحولوا
للإسلام لأنهم وجدوا فيه تعبيرا عن التوحيد أكثر ملاءمة لعقليتهم الواضحة
أكثر مما وجدوا في المسيحية" وأيضا " وعن تمييز القرآن وامتيازه أنه وحي... أي كلام الله
الذي لم يصبه تحريف ولا تعديل ولا تبديل... تميزه وامتيازه عن التوراة
والإنجيل" ويقول كذلك " لو أحتفظ يهود العصر ومسيحيوه بيهوديتهم
ومسيحيتهم في حالة نقاء لاعترفوا بالرسالة التي ألقاها الله إليهم عن طريق
محمد"
وفي الأخبار يوم الجمعة 28 مايو يقول" ونحن نقول أن تلك هي
شهادات العلماء الثقاة المنصفين من نصارى الغرب الذين درسوا الإسلام
والديانات الأخرى .. شهاداتهم علي الوهن والتعقيد اللذين أصابت بهما الثقافة
الهيلينية الغربية النصرانية الشرقية ... تلك التي غرقت في بحار الانقسامات
الحادة والالغازات والأسرار حتى استعصي فهمها علي الخاصة فضلا عن العامة.
فجاء الإسلام بتوحيده الواضح والبسيط وعقلانيته ومنطقه ووحيه الذي هو كلام
الله المباشر الذي لم يطرأ عليه تحريف ولا تعديل ولا تبديل.."
ويمثل ما كتبه الكاتب
نقدا لعقيدة دينية، وإعادة إنتاج خطاب استعلائي في مواجهة الأخر الديني من
خلال حديث المفاضلة بين الأديان علي نحو قد يفتح الباب أمام سجال ديني عقيدي.
ويعد ذلك خروجا علي الحركة الوطنية والدستورية في مصر التي من أفضل
مستخلصاتها أن المناقشات العقائدية لم تكن حاكمة لمسار الأحداث، وانخرط
المصريون علي المستوي الحياتي اليومي في خبرة إنسانية فريدة لم تعرف التفرقة
بسبب الدين إلا عندما أطلت رياح مغايرة من دول لا تعرف التعددية الدينية في
المنطقة.
وقد أثار ما كتبه
د.محمد عمارة ردود فعل واسعة النطاق في الأوساط الثقافية والصحفية. حيث قدم
مجموعة من الصحفيين- أغلبهم من المسلمين- شكوى لنقابة الصحفيين – في سابقة هي
الأولي من نوعها. وقد قامت النقابة بدورها بتحويلها إلي المجلس الأعلى
للصحافة. وأصدر عدد من المثقفين بيانا يستنكرون فيه مبدأ السجال الديني في
الواقع المصري. وقع عليه عدد من المثقفين من بينهم شخصيات ذات توجهات
إسلامية.
يقول نص البيان:
"إننا مسلمون وأقباط
نرفض جملة وتفصيلا ما جاء في احدي الصحف القومية (الأخبار يوم الجمعة
21-5-2004) في مقال أسبوعي ديني للدكتور محمد عمارة تضمن تطاولا علي المسيحية
الأمر الذي مثل طعنا مباشرا في عقيدة مواطنين مصريين لهم حقوق المواطنة كاملة
كفلتها لهم تضحياتهم علي أرض الواقع وكفلها الدستور أيضا مع أخوتهم من
المسلمين"
وفي نهاية المطاف
أضطر د.محمد عمارة إلي التراجع عما ذكره في مقال نشر لاحقا في نفس الصحيفة
"الأخبار".
والسؤال المهم هو:
لماذا يجب أن تتخذ الجماعة الوطنية موقفا جادا من الكتابات التي تحض علي
السجال الديني؟
1-
حماية الوطن من السجال الديني الذي يخلف وراءه الطائفية والتعصب والجهل الذي
يعد مقدمه للعنف بكافة صوره وأشكاله. وعرفت مصر في تاريخها هذا النمط من
السجال في أوقات الأزمات ولا نريد أحياءه من مرقده حرصا علي تماسك الأمة.
2-
حماية الإسلام. فتح الباب أمام السجال الديني أو العقيدي يفتح الباب أمام
محاولات الإساءة للإسلام ذاته، وهو أمر لا يضعه كثيرون في الحسبان. واللافت
للنظر أن د.محمد عمارة قد استند في حديثه الطاعن في المسيحية لدراسة باحث
غربي يدعي مونتجمري وات. هذا الكاتب نفسه له دراسات تسيء للإسلام مثل "محمد
في المدينة"... فهل من صالح الإسلام والمسلمين- في هذا المناخ الكوكبي المعبئ
ضدهم- الاحتفاء بمثل هذه النوعية من الكتابات؟. وفي هذا الصدد فإنه من المهم
التذكير أن المثق