أثـر مـيـراث الـدولـة علي قـضية الـمواطنة في مـصـر

ســـامح فوزي

الحديث عن ميراث الدولة المصرية، وعلاقته بالمواطنة، أمر شديد التعقيد، ومفعم بالتفاصيل التي يصعب في كثير من الأحيان تعقبها. ولكن لأغراض البحث يمكن أن نقسمها إلي محورين أساسيين الأول يتعلق بالسياسات التي تنتهجها الدولة في المجال الطائفي، والثاني يتصل بموقف الدولة بما تموج به الساحة الطائفية من متغيرات، وهو موقف في غالبه "حيادي" بالمعني السلبي، وهو ما يفتح المجال للبحث- ثالثا- فيما يجب أن يقوم به الأقباط أنفسهم  في هذا المقام.

 

أولا: مـيـراث الـدولـة

تتسم الدولة المصرية- بحكم نشأتها وثقلها التاريخي- بقدرة علي التغلغل في ثنايا المجتمع، وتسعي لتنظيم كل مشتملاته عبر سلسلة من السياسات العامة والقرارات البيروقراطية والممارسات العرفية المستقرة فيها علي مدار قرون متعاقبة. في بعض المجالات يزداد الجانب القانوني علي الجانب العرفي في تنظيم العلاقات بين أطراف المجتمع، وفي مجالات أخري يزداد الجانب العرفي علي الجانب القانوني في تنظيم العلاقات، وهو ما ينطبق تماما علي إدارة الشأن الديني في مصر، الذي يحتل العرف مساحة واسعة من إدارته. وهو ما يجعل من التعامل معه أمرا عسيرا.

1-    المشكلات القبطية

هناك حديث دائم متكرر عن المشكلات القبطية لم ينقطع طيلة القرن العشرين. فمنذ إسقاط الذمية عن الأقباط في عام 1855، وهناك حديث عن أهمية المساواة القانونية في الحقوق والواجبات ظهر جليا في نهاية القرن التاسع عشر.

في كل الأحاديث التي تصدر حول المشكلات القبطية تبرز مشكلتان أساسيتان: الأولي هي عدم تولي الأقباط المواقع القيادية سواء في المؤسسات السياسية وجهاز الدولة البيروقراطي، فضلا عن تراجع مستوي التمثيل السياسي لهم. والمشكلة الثانية هي العقبات القانونية والإدارية التي تعترض بناء وترميم الكنائس. بالتأكيد هناك مشكلات أخري ولكن هاتين المشكلتين تصدرتا قائمة الاهتمام.  ومن الملاحظ أن المشكلة الأولي موجودة منذ أكثر من قرن كامل. والثانية تعود لأكثر من نصف قرن.  فقد قدم وفد قبطي عام 1897 عريضة إلي اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر ومصطفي باشا فهمي رئيس الوزراء المصري آنذاك يشكو فيها من عدم تعيين الأقباط في المناصب العليا وضعف تمثيلهم في المؤسسات السياسية. وهما نفس المطلبين اللذين تكررا في البيان الصادر عن المؤتمر القبطي الذي عقد عام 1911. ولكن المشكلتين ظلتا بلا حل  رغم مظاهر الوحدة الوطنية العارمة التي شهدتها ثورة 1919. وفي عام 1934 أصدر العزبي باشا-وكيل وزارة الداخلية ما يعرف بالشروط العشرة لبناء الكنائس- وهي تمثل جملة من القيود والمعوقات التي تحول دون بناء الكنائس وتشكل مظهرا للتفرقة بين المصريين في بناء دور العبادة.  وهناك كتاب مهم صدر عام 1950 بعنوان "فرق تسد" من تأليف زغيب ميخائيل وقدم له المفكر سلامة موسي. يحوي الكتاب شهادة إدانة لما عرف في تاريخ مصر بالعهد الليبرالي (1923-1952). يرصد الكتاب مشكلات قبطية جديدة-إلي جانب هموم بداية القرن السابق الحديث عنها- مثل عدم تخصيص برامج في الإذاعة للأقباط والقيود التي تعترض بناء وترميم الكنائس وحرمان من أسماهم الكاتب نوابغ الطلاب الأقباط من البعثات الدراسية في الخارج. ومن يطالع مذكرات د.رشدي سعيد بعنوان "رحلة عمر" سوف يجد حديثا مطولا عن الدور الذي لعبته جماعة الأخوان المسلمين منذ نشأتها في التضييق علي الأقباط، ولاسيما في الوسط الجامعي في مطلع الخمسينيات. 

وفي الستينيات أصبح وصول الأقباط إلي البرلمان بالتعيين وليس بالانتخاب في ردة واضحة عما عرفته مصر في القرن التاسع عشر حين دخل الأقباط أول برلمان في تاريخ مصر الحديث وهو مجلس شوري النواب عام 1866 بالانتخاب وليس بالتعيين. وهكذا أصبح التمثيل السياسي للأقباط ليس نابعا من الشعب بل من إرادة النخبة الحاكمة.  وفي السبعينيات أصبح التيار الإسلامي جزءا من تحالف دشنه الرئيس السادات للتخلص من العقد الاجتماعي السابق لنظام يوليو يقوم علي عقد جديد يجمع البرجوازية الناشئة والبيروقراطية التي تكسبت من السياسيات الاشتراكية السابقة والتيار الإسلامي الذي عاد من مرقده. إلا أن الصلح المنفرد مع إسرائيل عجل بتهاوي هذا التحالف وجعل الإسلاميين في صفوف أعتي المعارضين السياسيين لنظام السادات وخليفته الرئيس مبارك.  ومنذ ذلك الحين أصبح الأقباط وكل القوي الوطنية رهائن صراع ممتد بين الدولة والتيار الإسلامي. وتم باسم هذا الصراع تأجيل البحث في حقوق المواطنة الكاملة للأقباط في إطار تأجيل الديمقراطية ذاتها.

ويلاحظ أن هناك كتابات مهمة ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة حول المشكلات القبطية. وأشير هنا تحديدا إلي الدراسة التي قدمها ميريت غالي في شكل خطاب للمسئولين في الدولة في أواخر السبعينيات، وكتابات العديد من الباحثين الأقباط والمسلمين علي السواء. ومن يتعمق هذه الكتابات يصل إلي نتيجة مهمة مفادها أن اللغة المستخدمة لا تختلف كثيرا عن اللغة التي استخدمت في مطلع القرن للتعبير عن نفس الهموم القبطية سواء في المؤتمر القبطي عام 1911 وكذلك في الكتاب الجامع المشار إليه بعنوان "فرق تسد". الأمر الذي يعني أن المشكلات تتناسخ والخطاب المرافق لها يتناسخ أيضا.  وأن القرن العشرين لم يكف لإغلاق ملف الهموم القبطية.

هناك ملاحظات عامة حول هذه المشكلات:

    أ‌-    المشكلات القبطية- في مجملها- ممتدة منذ ما يزيد عن قرن من الزمن. وهي في حالة تناسخ دائم، تتطور وتتمدد وتنكمش حسب مستجدات الواقع السياسي. الملفت أن تكرار خطاب المشكلات القبطية علي نطاق واسع أدي إلي أمرين متناقضين. الأول التعريف بالمشكلات القبطية، والثاني ازدياد مساحة الأقباط أنفسهم من الحياة العامة تحت وطأة الحديث الدائم عن مشكلاتهم، وشعورهم المستمر بالاحتقان.

   ب‌-   الكثير من هذه المشكلات يعود في مجمله إلي ممارسات اجتماعية عرفية أكثر ما يرجع إلي قواعد قانونية تمييزية يمكن النضال من أجل تغييرها. فمثلا عدم إسناد مواقع قيادية عليا للأقباط يمثل "عرفا" أكثر ما يمثل "قانونا". فلا يوجد نص قانوني يحول دون ذلك، ولكن المشكلة في الأساس سلوكية اجتماعية، وهو ما يجعل تغييرها ليس بالأمر الهين.

   ت‌-   المشكلات القبطية ليست إلا تعبيرا عن بعض جوانب التمييز في المجتمع، وليس كلها. فمن الواضح أن هناك مداخل عدة للتمييز في المجتمع، بعضها علي أساس نوعي مثل التمييز ضد المرأة، وبعضها علي أساس سياسي مثل التمييز ضد المعارضين من فصائل سياسية معينة، وبعضها اجتماعي مثل التمييز ضد الفقراء. كل هذه الجوانب من التمييز قائمة، ولكنها عادة ما تختزل في التمييز علي أساس ديني طائفي لأنه الأكثر التهابا، وتسويقا علي المستوي الإعلامي.

   ث‌-   اتسمت استراتيجية الحكم علي مدار عقود طويلة بإنكار وجود مشكلات قبطية، ربما عملا بالمبدأ القائل أن ترك المشكلات بلا حلول هو أفضل سبيل لحلها. تبني هذا النهج العديد من قوي المجتمع، بعضها انطلاقا من أن الحديث عن المشكلات الطائفية يعمق الهوة بين مختلف مكونات المجتمع المصري، وفريق ثاني سعي إلي التعتيم علي المشكلات القبطية من خلال إغلاق باب الحوار حولها. 

    ج‌-   في الفترة الأخيرة بدأت الحكومة تلتفت إلي أهمية التعامل مع المشكلات القبطية سواء في زيادة المساحة الإعلامية المخصصة للمسيحيين، أو التخفيف من حدة الإجراءات المتبعة في بناء وترميم الكنائس، والتعامل بجدية مع عودة الأوقاف القبطية للكنيسة.

    ح‌-   المشكلة الحقيقية التي تواجه المسيحيين هي مسألة الاندماج في المجتمع، وهو أمر يؤثر علي حضورهم الثقافي العام، وتمثيلهم السياسي، والحصول علي نصيب من الوظائف في المجتمع. هذه هي الإشكالية التي تواجه الأقباط، والتي تحتاج- في جانب منها- إلي تعميق تواجد الأقباط مجتمعيا، وسياسيا، واقتصاديا، وثقافيا.

 

2-    الأقباط مواطنون في الدولة أم رعايا للكنيسة

يطرح هذا المحور العديد من القضايا الإشكالية. الأقباط مواطنون في الدولة، يمتعون بالمساواة الكاملة مع غيرهم من المواطنين وفق الدستور. والوضع الصحي أن تظل علاقات الأقباط بالكنيسة في إطارها الروحي والإنساني. ولكن ما حدث من تطورات طيلة العقود الثلاثة الماضية دفع في اتجاه أن تصبح الكنيسة ذاتها هي عالم الأقباط، ومجتمعهم المغلق عليهم. فقد وجدت المؤسسة الكنسية نفسها منذ منتصف السبعينيات بين مطرقة  دولة شبه دينية يرسي الرئيس أنور السادات دعائمها، ومشاعر الاحتقان والانسحاب المجتمعي المتزايدة  لدي الأقباط، كان الخيار أن تتحول الكنيسة إلي مؤسسة شاملة، تحتضن أنشطة روادها الاجتماعية بالإضافة إلي خدماتها الدينية. واستطاعت أن توفر شبكة آمان اجتماعي لأبنائها الذين بدأوا يعانون مثل غيرهم من الفقر والبطالة والتهميش. ولا تمتلك الكنيسة مشروعا سياسيا بمعني الكلمة، ولكنها كانت ولا تزال تتصدي لمطالب حقوقية عامة للأقباط، وتحولت إلي مؤسسة ذات ثقل عام سواء في علاقتها بالدولة أو بأبنائها علي حد سواء. ولكن في السنوات الأخيرة بدا واضحا أن هناك شعورا طائفيا عميقا تأصل في نفوس أبناء الكنيسة. أدي طول أنعزلهم عن المجتمع إلي تقوقعهم، إلي وجود حالة من التصورات المغلقة تجاه الذات والآخر في المجتمع.

 في الاحتجاج الشبابي القبطي في أحداث جريدة "النبأ" عام 2001، وحادثة السيدة وفاء قسطنطين عام 2004، ثم حادث الاعتداء علي المصلين في ثلاثة كنائس بالإسكندرية في ابريل 2006، ظهر الاحتجاج الشعبي المسيحي، وقوده الأساسي هو الشباب الذي يعاني البطالة، والعزلة، والفرز الطائفي والظروف المعيشية القاسية. تأمل الخريطة الاجتماعية لهؤلاء الشباب يشير إلي أن معظمهم  من الفقراء والمهمشين، هؤلاء ليس لهم مشروع سياسي حقيقي، لكنهم تحركوا بدافع من المكبوت الطائفي، في إطار المؤسسة الكنسية التي تحولت إلي عالمهم الجديد.

في هذا المقام هناك عدد من النقاط يتعين إبرازها:

              أ‌-    تحول الكنيسة من مؤسسة دينية إلي مؤسسة مجتمعية شاملة أضاف أبعادا جديدة لعلمها، لم تكن في كثير من الأحيان مستعدة للتعامل معه.

             ب‌-   أدي تقوقع الشباب لعقود ممتدة في الكنيسة إلي ما يشبه العزلة لدي قطاع واسع منهم، وبمرور الوقت انخفض مستوي وعيهم السياسي والمجتمعي العام، وانقطعت صلتهم بالحياة العامة، وازداد وعيهم الطائفي، وشعورهم بالنقاء المفرط تجاه التعامل مع الآخرين، الذين يبادلونه ذات الشعور علي ما يبدو.

             ت‌-   حدثت تحولات أساسية علي مستوي البناء الروحي للمسيحيين عامة، والشباب خاصة، سواء فيما يتعلق بالخطاب الديني الذي نحي صوب الأبدية وقصص الشهداء، أو من ناحية الممارسة الروحية التي غلب عليها التواجد في الكنيسة- ماديا- ولكن دون أن يترجم ذلك في حياتهم الإنسانية، أو من ناحية البنية المؤسسية حيث ازدادت بها المشكلات، وعرفت أنماطا من الصراع علي الزعامة خاصة من جانب العلمانيين الذين أغلقت أبواب المشاركة في المجتمع من دونهم، ولم يعد أمامهم سوي عالمهم الصغير- أي الكنيسة- للحصول علي موطئ قدم بها.

3-    العلاقة بين الدين والدولة

هناك عدد من جوانب الالتباس في الحديث عن علاقة الدين بالدولة. هذا الالتباس أدي إلي تصبح الدولة "شبه دينية" أو "شبه علمانية". ينص الدستور علي أن الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. هذان النصان يحملان علي الاعتقاد بأننا بصدد دولة شبه دينية، ولكن هناك نصان آخران يتناقضان مع هذين النصين، مفادهما أن المواطنين سواء أمام القانون بصرف النظر عن الاختلاف في الدين أو اللون أو العرق أو الجنس، وكذلك تكفل الدولة حرية إقامة الشعائر الدينية- بالمطلق أي دون تخصيص هذا الحق لفئة أو أخري. من يطالع هذين النصين يصل إلي اعتقاد آخر أننا بصدد دولة شبه علمانية.

الواقع أن هناك صراعا- لا مجال للحديث عنه الآن- بين الدولة والإٍسلام السياسي علي مدار أكثر من نصف قرن علي توظيف الدين بوصفه مصدرا للشرعية السياسية. ويجد الأقباط أنفسهم في منطقة الصيد، بمعني أن هوية الدولة ذاتها محل نزاع سياسي بين مشروعين أي مشروع الدولة الحديثة ومشروع الدولة الدينية. وفي هذا الصدد يذهب كثير من الإٍسلاميين إلي أن الدولة في الوقت الذي تقوم فيه بخصخصة الاقتصاد علي نطاق واسع، تتجه بثبات ودأب لتأميم الدين، الظاهرة التي جعلت المؤسسات الدينية أقل هيبة، وأخف ثقلا في عيون المسلمين. ونال مشايخها من النقد في السنوات الأخيرة ما لم ينله أقرانهم في العقود الماضية. والسبب هو تكريس الدين لخدمة السلطان وليس الإنسان. هذا الاعتقاد شائع في صفوف الإسلاميين باختلاف فصائلهم. وهو أمر محل اعتبار أيضا من جانب قطاع من المثقفين الليبراليين- رغم اختلاف زاوية النظر- الذين يرون أن تسييس الدين، وتديين السياسة لم يجلب سوي الجمود والفساد والعبث بالثوابت الأساسية للأمة، وأهمها مبدأ المواطنة.

يرفض الإسلام السياسي تأميم الدولة للدين رغم أنه الفصيل  الرئيسي الذي دخل حلبة السياسة علي أساس ديني، وخاض سباقا محموما مع الدولة علي مدار نصف قرن من أجل تديين السياسية، وتسييس الدين،  ولعب أدوارا علي كافة المستويات السياسية والنقابية والاجتماعية من أجل تديين الحياة العامة، ومصادرة حرية النقاش فيها باسم الدين. وهو لا يوجه لنفسه ذات النقد الذي يوجهه للدولة. ولا يعترف بأن ظهوره واستئساده كان عاملا أساسيا في معركة تسييس الدين علي كافة المستويات. وإذا كانت الدولة تنظر إلي الدين علي انه مصدر للشرعية، ووسيلة للحشد والتعبئة، وتحقيق المساندة الجماهيرية للحكم وسياساته، فإن الإسلام السياسي أعتبر الدين في بعض الأحيان مسوغا للعنف، وسلاحا لمصادرة التعددية السياسية والدينية والثقافية، وذريعة مؤجلة لإلغاء الديمقراطية إذا قادته صناديق الانتخاب إلي الحكم.

الظاهر أن الإسلام السياسي لا يؤرقه تسييس الدين بقدر ما يؤرقه أن يصبح الدين في كنف الدولة. هو يريد خصخصة الدين حتى يسهل عليه استيعابه، والتهامه، وإعادة توظيفه سياسيا، مثلما فعل في الشأن النقابي، والاقتصاد، والعمل الأهلي.

من هنا فإن القول بتحديد العلاقة بين الدين والدولة، أو المناداة بالفصل بين الدين والسياسة ليست تهمة سياسية، أو خطيئة وطنية، وهي بالتأكيد لا تعد خطا أحمر لا يجب تجاوزه، ولا يحق لأي قوي سياسية أيا كانت- بما في ذلك الأخوان المسلمين- أن يهددوا ويتوعدوا من يطالب بإعادة النظر في المادة الثانية من الدستور التي تنص علي أن الإسلام هو دين الدولة. فالقضية لا تخص الإسلام أو المسلمين، ولا تنطوي علي مساس بدين الأغلبية العددية من المصريين، وإنما تتعلق- في المقام الأول- بتوفير بيئة سياسية ديمقراطية يستند التنافس السياسي فيها علي أرضية البرامج السياسية، والمشروعات الفكرية أكثر من الشعارات الحماسية، ووسائل الحشد التي كانت تعرف في الدولة التقليدية ما قبل الحديثة حين كان الدين أداة من أدوات إنتاج الهيمنة والغلبة السياسية.

إذا أعيد تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة فإن ذلك سيكون المدخل الأكيد نحو تفعيل الإنجاز، واعتباره أساسا لشرعية الحكم، والوسيلة الوحيدة أمام مختلف القوي السياسية للحصول علي نصيب من السلطة. في هذا الصدد فإن النص الذي اقترحه د.إبراهيم شحاتة بشأن تعديل هذا النص الملتبس من الدستور يجب أن يكون محل اعتبار. النص المقترح هو "الإسلام دين غالبية سكان الدولة، وتنهض الدولة علي رعاية القيم العليا للدين". الآخذ بمثل هذا النص سوف يسهم في فض الاشتباك بين مكانة الدين في المجتمع، ومحاولات توظيفه سياسيا، ولاسيما أن الدولة كائن اعتباري لا يمكن أن يكون لها دين، أو مذهب. وإنما يظل الدين هو معتقد المواطنين وضمير المجتمع.

4-    تنحية دولة القانون

يعني مصطلح حكم القانون في أبسط معانيه أن المواطنين سواء أمام القانون بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الجنس أو الدين أو العرق، أو الوضع الاجتماعي، أو المركز السياسي،...الخ. ويؤدي غياب حكم القانون إلي تهميش قطاعات واسعة من المواطنين الفقراء، ومعدومي القوة Powerless، تنتهك حقوقهم وحرياتهم الأساسية، لا تحترم حقوقهم المنصوص عليها في الدساتير والقوانين. وفي كل الأحوال تحتاج القوانين- حتى وإن كانت ديمقراطية- إلي مؤسسات عدالة قادرة علي تطبيقها. تتمتع باستقلال عن السلطة التنفيذية،        وتمتلك المقومات الاقتصادية والفنية والإدارية التي تعينها علي أداء وظيفتها، وتجعل لأحكامها معني علي أرض الواقع.

أحد أهم الأسباب التي أدت إلي تكاثر الأحداث الطائفية هي غياب دولة القانون. هناك ما يشبه الإصرار علي تنحية القانون من هذه الأحداث. أحيانا بسبب تفضيل المصالحة علي الحق، واتقاء لتداعيات عقاب قانوني قد يوغر صدور المسلمين تجاه المسيحيين. في كل الأحداث الطائفية لم يطبق القانون، ويُفضل عادة احتواء الموقف بالحوار والتفاوض بين الكنيسة وأجهزة الأمن، في غيبة من المؤسسات السياسية، باستثناء مؤسسة الرئاسة بالطبع. لم تصل يد العدالة إلي مرتكبي أي من الأحداث الطائفية، والسبب هو الرغبة في تحقيق الهدوء والمصالحة. تسوية الحدث لا يعني انتهاء تداعياته. هناك حالة تراكم في الذهنية الجمعية الطائفية للأقباط والمسلمين علي حده، وهو ما يوجد تربة مواتية لأحداث طائفية جديدة. دولة المواطنة الكاملة لا تنفصل عن دولة القانون، فلا مواطنة بلا قانون، ولا قانون بلا مواطنة حقيقية. هذه هي الإشكالية التي لم ننتبه إليها بعد، ونصر دائما علي الحلول الأمنية، والمداولات الريفية، والاستنجاد بالعلاقات الدينية والعشائرية والطائفية لتسوية أزمات طائفية، هي في الأساس قضايا جنائية، لا يجب أن ينحي القانون بشأنها.

ثانيا حياد الدولة "السلبي"

تشهد العلاقات الإسلامية المسيحية – منذ فترة- حالة من التردي، ورغم ذلك فإنه من الواضح أن الدولة لا تتدخل بالقدر الكافي للتعامل مع حالة التردي إلا في شقها الأمني لحظة تدهورها، في حين أن المؤسسات السياسية في غفلة كاملة عن هذا الملف. وهناك مقولة مهمة يتعين التوقف أمامها في هذا الصدد. إذ يري د.رشدي سعيد أن هناك ميراثين في العلاقات الإسلامية المسيحية أحدها يدفع في اتجاه التعايش، والآخر يحض علي الارتياب. ومن مصلحة الحكومة أن تنعش الميراث الأول، وتخمد الميراث الثاني. الأمر الحادث حاليا أن الدولة لا تقوم بما يجب لدعم الميراث الأول، ولا تسعي بما يجب لإخماد الميراث الثاني، وبين هذا الموقف وذاك يتبلور ما أطلق عليه الحياد السلبي في التعامل مع الشأن الديني.

وهناك عدد من ملامح هذا الحياد.

 

 

1- تصدير الهزيمة

منذ أكثر من عامين يسعى عدد من الكتاب الإٍسلاميين إلي تصدير خطاب الهزيمة إلي المجتمع الإسلامي. هذا الخطاب يتردد في إطار السعي تسييس العلاقات الإٍسلامية المسيحية لخدمة مشروع الإسلام السياسي. اعتبرت قضية وفاء قسطنطين في عام 2004 هزيمة لحقت بالإسلام والمسلمين. أقلام عديدة بدأت تتحدث عن الاستقواء القبطي في مصر. يرددون أن المساجد مؤممة والكنائس لا أحد يعلم ماذا يجري بداخلها. وكلما ذهب الحكم في اتجاه التعامل مع ملف المشكلات القبطية خرج من يقول أن هذا نتيجة ضغط خارجي تمارسه القوي الكبرى المسيحية لنجدة أشقائهم في الدين من المسيحيين المصريين. شعور عميق بالهزيمة يزداد، وأبعاد جديدة مفخخة تطرأ علي العلاقات الإسلامية المسيحية في المجتمع المصري. وجاءت اللحظة سانحة لدرء الهزيمة، وتحقيق النصر الذي طال أمده. فقد قدم مجموعة من الشباب الهواة الذين يتسمون بالرعونة مسرحية بكنيسة مار جرجس بحي محرم بك، تروي قصة شاب مسيحي اعتنق الإسلام، ولحق بأحدي جماعات التطرف، لكنه آثر العودة بعد أن ارتطم بممارسات خاطئة. عاد إلي بيته، وأبصر بعد فترة قصيرة من العمى الجزئي، ولكنه قتل علي يد المتطرفين في مشهد كربوني لفيلم الإرهابي للفنان عادل إمام. مسرحية عرضت في عام 2003 لمدة يوم واحد، وقررت الكنيسة التي عرضت بها إيقاف عرضها. تسرب قرص ممغنط يحوي المسرحية، طبع منه الآلاف، وصار هدية عيد الفطر في نوفمبر 2005 للشباب المسلم الذي تطارده الهزائم المتكررة. خرجت مظاهرات هادرة تبحث عن كرامة الإسلام ونبيه، وأعادت هذه المسرحية الهزيلة وغير الموفقة – جملة وتفصيلا- ذكريات الهزيمة لدي المسلمين في موقعة وفاء قسطنطين، التي عادت للمسيحية بعد فترة من التشكك، وسعيها للتحول للإسلام بحثا عن مخرج من مشكلات أسرية تلاحقها. هذه المرة كان من الضروري أن ينتصر المسلمون لأنفسهم وللإسلام، لن تتكرر الهزائم السابقة، لم يكن أمام أحدهم سوي طعن راهبة رغم انه لم يشاهد المسرحية، وتظاهر أكثر من 15 ألف شخص، ورفعت الشعارات التي تدعو إلي الثأر ونصرة دين الإسلام. رشقت الكنائس بالحجارة، ووطأت الأرجل الكتب المقدسة التي بداخلها، نهبت محال تجارية، وهشمت سيارات مملوكة لمسيحيين. وتحول المشهد إلي حالة من الهياج الطائفي في لحظة ارتداد إلي عصر ما قبل الدولة الحديثة، آلاف ال