ســـامــح فــــوزي

مجالات العولمة

 

3-    مدخل إلي العولمة

يقصد بالعولمة Globalization في أبسط معانيها "إزالة الحدود المفروضة علي تدفق السلع والأفكار وطرائق الحياة بين المجتمعات". من هنا فإن الجديد في العولمة هو اسمها.  إذ وفق هذا التعريف فإن العولمة موجودة منذ أقدم العصور حيث طور البشر وسائل تواصل فيما بينهم حسب اشتراطات العصر الذي يتواجدون فيه، ولكن الجديد في الوقت الراهن هو تسارع وتيرة حدوث هذا التواصل علي نحو أدي إلي تهاوي الحدود معه.  بهذا المعني فإن المواطنة ذاتها- بوصفها مفهوما في العلوم الاجتماعية- أصبحت معولمة. هناك من يتحدث اليوم عن المواطن العالمي Global Citizen. المقصود بهذا التعبير أن المواطن تعدي حدود المحلية أو القومية إلي أفق العالمية.

وإذا نظرنا لعلاقة المواطنة بالعولمة فإنه يمكن رصد عدة مجالات أساسية:-

    أ‌-    عولمة سياسية. أصبحت الأفكار والنماذج والتفاعلات السياسية ذات طبيعة كونية. مفاهيم من قبيل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، و"الحريات الدينية"، و"مبادئ الحكم الرشيد" تحولت إلي العمود الفقري في العولمة السياسية. فقد صارت هذه المفاهيم ذات طبيعة كونية، يتحدث بها البشر في كل مكان علي وجه المسكونة.

   ب‌-   عولمة اقتصادية. تستند في الأساس إلي مبدأ "حرية التجارة"، حيث تتدفق البضائع والسلع عبر الحدود، لا تجد عوائق كمية أو سلعية تصدها. تعد منظمة التجارة العالمية WTO هي العمود الفقري للعولمة الاقتصادية.

   ت‌-   عولمة ثقافية. المنتج الثقافي- سواء كان مؤلفا فكريا، أو عملا فنيا- يعبر الحدود، ويطالعه البشر في أماكن مختلفة من العالم، ويثار حوله الجدل. مثال علي ذلك أفلام هوليود الأمريكية التي أصبحت تحتل دور العرض السينمائي في كل بقاع العالم.

   ث‌-   عولمة اتصالية. أحدثت الثورة الاتصالية علي مستوي العالم قدرا هائلا من التقارب من أبرز سماته تلازم الحدث مع الإعلان عنه، والتقريب بين أرجاء المعمورة علي نحو جعل منها غرفة صغيرة، لم يعد ممكنا حجب الأسرار، وأصبح "الانترنيت" و"المحمول" دعائم التواصل الإنساني الذي يهدم حاجز الزمان والمكان.

4-    ماذا لم نأخذ من العولمة؟

هذه أربعة مجالات أساسية من العولمة، خاصة فيما يتصل بعلاقتها بالمواطنة. الواضح أننا لم نأخذ عن أي منها، فلازلنا متعثرين، متخبطين، خارج سياق الزمن العولمي.

v    في مجال العولمة السياسية.

              أ‌-    الحديث عن الديمقراطية لازال في أضيق حدوده، لا يخرج عن حيز شارع عبد الخالق ثروت وسط القاهرة، الذي يتجمع فيه بضع مئات من المتظاهرين من آن لآخر، لا صلة للجماهير العريضة بهم. الصحف ذات سقف الحريات المرتفع لا يزال تأثيرها محدودا. والدليل علي ذلك أن زخم الحديث عن الإصلاح السياسي لم يحرك مياه المشاركة الراكدة. لم تزد نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2005 عن 25% من جملة من يحملون بطاقات تصويت ( حوالي 33 مليون شخص) ، وهو ما يعني أن من صوت في الانتخابات لم يزد عن ثمانية ملايين نسمة في حين أن تعداد السكان يشير إلي أن عدد المصريين فاق 76 ملايين شخص.

             ب‌-   هناك خطاب معاد للعولمة الديمقراطية يتمثل في التشكيك في الإصلاح والديمقراطية بوصفها مفاهيم "غربية" أو "أمريكية"، ووصل الأمر إلي حد اتهام التحولات الديمقراطية التي حدثت في العالم بأنها "ملونة أمريكيا"، وهو ما حدث في أكورانيا وجورجيا..الخ.

             ت‌-   يسود خطاب يقوم علي استدعاء الداخل في مواجهة نداء الحرية الدينية الصادر من الخارج، باعتباره "أداة لتفتيت المجتمع". في هذا الخضم تظهر الحكومة بمظهر "المتحضر" في مواجهة المجتمع الثقافي الذي يوظف لانتقاد وأحيانا التشهير بخطاب الحرية الدينية الذي يأتي من الخارج. والدليل علي ذلك تسمح الحكومة لبعثات خارجية أمريكية بمتابعة حالة الحرية الدينية في مصر، في الوقت الذي ينتفض فيه أصحاب الأقلام للهجوم علي "التدخل الأمريكي".

             ث‌-   ثبت أن الرهان علي "الخارج" في تحقيق الحرية الدينية في "الداخل" غير مجد. في السابق كان هناك من المسيحيين من يحتفون بتقرير الحريات الدينية الذي تصدره الإدارة الأمريكية سنويا.  هذا التقدير لم يكن في محله. فمن المعروف أن هذا التقرير لا يعني بحقوق المسيحيين، ولكنه في النهاية يعني بحرية الرأي والاعتقاد. من هنا لم يعد التقرير – في العامين الأخيرين- يركز علي "الحرية الدينية" للأقباط فقط، بل أنه ذهب إلي أبعد من ذلك إلي اعتبار جماعة الإخوان المسلمين- وهي تنظيم سياسي- مجموعة دينية منتقصة الحقوق، وهو أمر بالغ الخطورة ليس فقط لأنه يسيء تصنيف الجماعات، ويغفل تحديد موقعها من النظام السياسي، ولكنه أيضا يري أن جماعة الإخوان المسلمين "مضطهدة دينيا" في حين أن موقفها تجاه الحرية الدينية ذاته محل التباس.

             ج‌-   هناك خطاب "اتهام" لا ينقطع لمفهوم حقوق الإنسان. البعض يعتبره أداة اختراق، وآخرون ينعتونه بالغربي، وفريق ثالث يري أنه "أجنبي مغترب" عن الواقع المحلي، ومجموعة رابعة تطارد المنظمات التي تنهض علي الترويج لحقوق الإنسان، متهمة إياها بالعمالة والخيانة....الخ. الأمر الحاصل أن نحو ربع قرن  من عمل المنظمات الحقوقية (منذ 1983 وهو تاريخ إنشاء المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي تلتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 1985) لم يثمر حتى الآن عن نقل المفهوم إلي خبرة الممارسة اليومية للمواطن.

             ح‌-   المنظمات الحقوقية التي تعبر عن الجيل الثالث للمنظمات غير الحكومية تتسم ببؤس شديد في إدارتها، وإمكانياتها الاتصالية، وقدرتها علي بناء علاقات حقيقية مع مجمل قطاعات المجتمع. بعضها ذات طبيعة "عائلية"، وبعضها الآخر ذات طبيعة "شللية"، والبعض الثالث يختلف حول مصادر التمويل. ولم يخرج عن هذه الحلقة المفرغة سوي استثناءات قليلة.

             خ‌-   الفئات الأكثر ولعا بالعولمة الاتصالية- أي عن طريق الانترنيت- هي أكثر المجموعات اغترابا. أعني بذلك الشباب. فبالرغم من أنهم علي اتصال وتواصل مع العالم الخارجي، إلا أنهم لم ينقلوا عن الخبرة والممارسة السياسية في مجال الديمقراطية. في صربيا أكورانيا وجورجيا كانت حركات الشباب وراء التغيير الديمقراطي في هذه المجتمعات، أما في المجتمع المصري فإن الشباب لا ينخرطون في السياسة، ولم تتمكن الأحزاب السياسية- بما فيها الحزب الحاكم- من اجتذاب الشباب.

v    في مجال العولمة الاقتصادية

    أ‌-    هناك عدم إدراك كامل بآليات عمل النظام الاقتصادي العالمي الذي يقوم علي حرية التجارة، فلا توجد حتى الآن بنية معلوماتية منظمة حول منظمة التجارة العالمية، ماذا يجري في أروقتها، كيف يعمل نظام فض المنازعات بها؟ كيف يمكن الإفادة مما تكفله من فرص اقتصادية؟ هذا الجهل بآليات النظام الاقتصادي العالمي في المجتمع المصري خاصة، والمنطقة العربية عامة، لا يقارن بالدور الذي تلعبه دول كانت في عداد الدول النامية مثل الهند والبرازيل والمكسيك في تحريك آليات هذا النظام لحماية مصالحها في وجه الدول الصناعية الكبرى.

   ب‌-   هناك نزوع نحو امتلاك المنجزات العلمية الحديثة بالشراء وليس الابتكار. يترجم هذا علي أرض الواقع في شراء منجزات العلم "علي المفتاح" كما يقال. وبالتالي لم تعد العولمة الاقتصادية سوي استيراد- حتى في أكثر الأشياء بساطة- وانتفاع من آلات، دون وجود كوادر بشرية أو إمكانات تكنولوجية للمساهمة في الإنتاج العالمي من السلع. مثال علي ذلك شركات الدواء التي تحولت إلي مجرد مصانع "لتعبئة الأدوية المستوردة من الخارج".

   ت‌-   النزوع إلي استخدام الآلة وليس ابتكارها أدي إلي حالة غريبة شديدة التناقض. ففي الوقت الذي يستغل فيه المجتمع أحدث الابتكارات العلمية نجده يوظفها في إنتاج ثقافة التخلف والرجعية. مثال علي ذلك "ثقافة المول" التي بموجبها تحولت مراكز التسوق الكبرى إلي ساحات للابتذال الأخلاقي، أو تحول معرض الكتاب إلي "نزهة في مطاعم ومقاهي"، أو تحولت السيارات الحديثة إلي عربات سباق في قلب الشوارع المزدحمة أكثر من كونها وسيلة مريحة مرفهة لنقل الأفراد...الخ.

   ث‌-   يقترن اقتباس الآلة بقهر الإنسان. في الوقت الذي حررت فيه الآلة الحديثة الإنسان في العالم الغربي المتقدم، يقترن وصول التكنولوجيا الحديثة بقهر الإنسان في المجتمع المصري. فعلي سبيل المثال  المصانع التي تشيد علي أحدث طراز لتصدير منتجاتها إلي الخارج غالبا ما تقوم علي مفهوم بائس لحقوق العمال، الذين يعملون بأجور زهيدة، ولا يتمتعون بضمانات تأمينية حقيقية.

v    في مجال العولمة الثقافية.

    أ‌-    المنتج الثقافي الناهض علي الصعيد الكوني مغيب عن الواقع المحلي، لا يعود هذا فحسب إلي ضحالة الجماعة العلمية القادرة علي التفاعل الايجابي مع هذا المنتج الثقافي الكوني، ولكن يعود في جانب منه إلي حالة الهزيمة التي يشعر بها المجتمع في أعماقه التي تدفعه باستمرار إلي التماس- وأحيانا تسول- الآراء الايجابية التي يطرحها البعض في الغرب عن المجتمع، ويعتبرها نموذجا يحتفي به.

   ب‌-   تراجع المعارف باللغات الأجنبية يؤدي إلي حالة قطيعة كاملة مع المنتج الثقافي العالمي من ناحية، ويدفع كذلك أصحاب الإنتاج الثقافي في المجتمع المصري إلي الانزواء. فهم لا يتلقون ثقافة الآخر، وفي الوقت ذاته غير قادرين علي إيصال ثقافتهم للآخر. حالة من العجز المعرفي والثقافي المركب.  يؤدي ذلك إلي مشهد أقرب إلي محاربة طواحين الهواء. وليس أدل علي ذلك من كاتب يهجو الغرب في كتاباته المتواضعة ليل نهار في حين أنه لم يقرأ كتابا واحدا عن الغرب لأنه لا يعرف سوي اللغة العربية!

   ت‌-   انتقائية مدح الذات فيما يختار للترجمة من أعمال إبداعية عالمية أدي في النهاية إلي حالة يمكن وصفها "بالطاهرة العاجزة". نشعر أننا أفضل من علي وجه الكرة الأرضية، وفي الوقت نفسه غير قادرين علي التأثير في الآخرين، فلم يعد أمامنا إلا ندب حظنا، والتبشير بالمؤامرة القادمة، والعجز عن التفاعل مع الآخرين، وفي الوقت ذاته البحث عن شهادة تقدير منهم.

 

v    في مجال العولمة الاتصالية

    أ‌-    هناك ابتذال حقيقي لاستخدام منجزات العصر في مجال الاتصال. التليفون المحمول يستخدم في اقتحام الخصوصيات، وتداول الابتذال. وهو نفس الدور الذي يلعبه الانترنيت تقريبا. فقد تحول الانترنيت من ساحة للانفتاح علي العالم الخارجي إلي وسيلة للتسلية، والتلاهي، والتجول العشوائي، والبحث عما هو مثير، وكأنه ساحة للتمرد علي الواقع.

   ب‌-   أدت العولمة الاتصالية إلي زيادة حجم معارف الشخص بما يجري حوله في العالم، لكنها لم تسهم- علي ما يبدو- في زيادة حجم معارفه بما يجري حوله في المجتمع المحلي الذي يعيش فيه. ومثال علي ذلك ما يجري في مصر، حيث يمكن للمشاهد أن يتتبع بالصوت والصورة ما يجري في فلسطين أو العراق أو الولايات المتحدة أو الصين، ولكنه لا يعرف المعلومات الأساسية حول عدد من القضايا المحورية المتداولة في مجتمعه. في مجال المواطنة- علي سبيل المثال- رغم كثرة الأحداث الطائفية، وتزايد وتيرة حدوثها، وكثافة التناول الإعلامي لها، إلا أنه من الصعب التعرف علي أسبابها الحقيقية، وكثيرا ما تنتهي دون أن نعرف المعلومات الأساسية عنها. ومثال آخر ليس بعيدا عن المواطنة في بعدها الاجتماعي. قد نستطيع من خلال شبكة معلومات الدولية-الانترنيت- أن نصل إلي إحصاءات دقيقة عن حجم الفقر في العالم، ومناطق انتشاره، لكننا لا نعرف يقينا حجم الفقر في المجتمع المصري، نظرا لأن ثقافة "المعلومات" غير متوفرة، ولا يجدي معها تنوع منافذ الإعلام.

   ت‌-   هناك نزوع حقيقي نحو "تديين وسائل الاتصال" سواء كان تديينا ماديا مباشرا مثلما هو الحال في ظاهرة "التليفون المحمول الإسلامي"، أو تديينا ثقافيا، كما يحدث في ظاهرة المواقع الالكترونية الدينية، والتي تنتشر علي نطاق واسع، إسلاميا ومسيحيا، وكثير منها ينقل خطابات تكفيرية أو انعزالية أو تحريضية أو تلفيقية تجاه الآخر الديني المختلف. هنا تبدو مفارقة غريبة تتمثل في الفصل بين "شكل العولمة" و"قيم العولمة"، حيث يجري استخدام "شكل العولمة" للإجهاز علي "قيم العولمة". وهو ما يؤدي إلي نتيجة غريبة مفادها أن العولمة تؤدي إلي مزيد من التشوه علي صعيد علاقات شركاء المواطنة الواحدة في المجتمع، وهي حالة لم تكن موجودة بمثل هذه الحدة قبل الانفتاح العولمي منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.

   ث‌-   تحولت بعض وسائل الاتصال الحديثة إلي وسيلة لتأكيد الهوية الطبقية. في الوقت الذي يلعب التليفون المحمول دورا في تأكيد التواصل الإنساني اللحظي، فإن امتلاكه في حد ذاته، وحجم الإنفاق عليه يستخدم في المباهاة بين الأفراد، ويجعلهم دائما في حالة مقارنات استهلاكية مستمرة. هذه الحالة من اختلال التوازن الإنساني تدفع أطفالا للإلحاح علي ذويهم لامتلاك التليفون المحمول.

    ج‌-   أعطي التليفون المحمول مساحات واسعة للإفراد للتمتع بالحرية في مواجهة الرقابة الأسرية أو المجتمعية، لكن هذه الحرية عادة ما تصب في التشوش والاضطراب السائد بالفعل في المجتمع. ويضاف إلي ذلك سوء استخدام التليفون خارج الأغراض التي نشأ من أجلها، وهناك ظواهر ثقافية شديدة التخلف ترتبط باستخدامه مثل ظاهرة المكالمات التي لا يرد عليها Missed Calls.

ا

خلاصة القول أن في مجال الحديث عن علاقة العولمة بالمواطنة، فإن الأمر الحادث فعليا أننا لم نأخذ من العالم المعولم سوي "سقط المتاع"، أعني بذلك النزاعات التي تتلبس قناع الدين، والنزعة الاستهلاكية التي لا تخلو من شرعية دينية، في حين أننا أغفلنا عن الجوانب الحقيقية التي تصنع المواطنة الكاملة، فلم نأخذ عن العالم المتقدم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحرية الدينية، ولم نأخذ عنه القدرة التنافسية الاقتصادية، والابتكار والتقدم، ولم نأخذ عنه ثورة الاتصالات التي تسهم في تعميق الشفافية والانفتاح وحرية تداول المعلومات، ولم نأخذ عنه الثقافة الحديثة بكل ما تعنيه من معان ودلالات.